- الخميس, 30 آذار/مارس 2017

تتسم بعض الدول العربية بتعدد وتنوع أنظمة التعليم فيهامن تعليم حكومي وديني وخاص وأجنبي ودولي والكثير منها لا يدخل ضمن منظومة التعليم الوطني، وينتمي إلى ثقافات مختلفة يأتي على رأسها التعليم الأمريكي والبريطاني والفرنسي وغيرها من نظم التعليم الغربية المختلفة؛
هذا الأمر ينتج عنه تهميش وإضعاف للغة العربية، ومن ثم ضعف الخريجين في ثقافتهم اللغوية والوطنية، وتباين أساليب تفكيرهم وثقافتهم بشكل كبير؛ مما يعني تعدد هوياتهم وخلق نوعٍ من التشتت الثقافي؛ وهوما يؤثر سلبًا ليس على مستوى التواصل في المجتمع فحسب بل على مستوى التواصل بين الطالب وأسرته.
بينما على النقيض من ذلك تمامًانجد اليابان تتسم بوجود نظام تعليمي موحد يهدف لتكوين الشخصية اليابانية التي تتمتع بوجود العناصر الأساسية لثقافة المجتمع الياباني، وتجانسه ووحدة نسيجه الاجتماعي، وقيمه التي تنظم الحياة المشتركة بين أفراد المجتمع حيث يغلب على النظام التعليمي الياباني طابع المركزية التي توفر المساواة في التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة بغض النظر عن المقاطعة أو المحافظة التي وُلد فيها التلميذ أو الطالب.
وبذلك يتم تزويد كل طالب بأساس معرفي واحد سواء كان في شمال اليابان أو جنوبها وبغض النظر عن الحالة الاقتصادية لهذه المنطقة، حيث تُقرر وزارة التعليم اليابانية الإطار العام للمقررات الدراسية في المواد كافة، وتقوم بتفصيل محتوى المقرر الدراسي وعدد ساعاته.
وبذلك يتم ضمان تدريس نفس المناهج لكل فرد في الشعب في أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية· وعادة لا توجد اختلافات جوهرية تُذكر بين المدارس في مختلف مناطق اليابان، وكلها تتمتع بمستوى عال من التجانس مع تفاوت في نوع النشاط والتفوق فقط· وتعتبر وزارة التعليم اليابانيةهي المسؤولة عن التخطيط لتطوير العملية التعليمية على مستوى اليابان، وتقوم بإدارة العديد من المؤسسات التربوية بما فيها الجامعات والكليات المتوسطة والفنية·وهذا بلا شك يفرض معايير وطنية واضحة تُسهل من تعليم الشعب حتى يصل إلى درجة متماثلة في التعليم، كما يُسهل على الدولة مهمة تدريب أبناء الشعب حتى يفهم كل فرد واجبه تجاه وطنه بصفته مواطنًا وليس مجرد فرد.
ولكن لا يعني ذلك أن مركزية التعليم مطلقة في اليابان، فهناك قسط أيضًا من اللامركزية؛ حيث يوجد في كل مقاطعة من مقاطعات اليابان مجلس تعليم خاص بها يعتبر السلطة المسؤولة عن التعليم وإدارته في هذه المقاطعة.
ويتكون مجلس التعليم من خمسة أعضاء يعيّنهم رئيس المقاطعة أو المحافظ بموافقة مجلس الحكم المحلى الذي يتم تعيين أعضائه، بمن فيهم رئيس المقاطعة، بالانتخاب الحرّ من قِبَلْ سكان المقاطعة.
ويقوم هذا المجلس باختيار الكتب المناسبة لمقاطعته من بين الكتب المقررة التي عادة ما يقوم القطاع الخاص بطباعتها بعد الحصول على موافقة وزارة التعليم عليها.
ويقوم هذا المجلس كذلك بإدارة شؤون العاملين في مجال التعليم بما في ذلك تعيين ونقل المعلمين من مدرسة لأخرى، كما يقوم بالإشراف على مؤسسات التعليم الإقليمية وتقديم النصح لها.
كما أن المعلمين يتمتعون أيضًا بقسط من الحرية بصفتهم أعضاء في هيئة صُناع القرار بالمدرسة. وهم يجتمعون في ربيع كل عام لمناقشة الأمور التربوية للمدرسة، والتخطيط لجدول النشاط المدرسي لتنفيذتلك المهام التربوية ثم طباعة كل ذلك في كتيب سنوي. كما يقومون بإدارة شؤون مدارسهم دون ضغط ملزم من جانب الوزارة، وذلك فيظل سلطة اتحادهم.
ولذلك يشعر المعلمون في اليابان بأهميتهم في صنع القرار لأنهم ليسوا مجرد موظفين تابعين لوزارة التعليم· ويبدو أن مبدأ التمازج والتوازن بين المركزية واللامركزية يتلاءم مع نظام التعليم الياباني، ويعكس طبيعة التفكير اليابانية في المزج بين القديم والجديدمن الثقافات لكن مع الحفاظ على الهوية والأصالة اليابانية.
ونتيجة لهذه المنظومة التعليمية الموحدة، ترسخت الثقافة اليابانية التي نستطيع أن نقول أنه لايوجد فيها تباين باختلاف المنطقة أو الدين أو الأشخاص، فهـي تتميز بالتوحد والتجانس فى كل مكان فى البلاد – تماما مثل حلوى كينْطارو اليابانية التى إن قطعتها من أي مكان يظهر لك نفس الشكل.
ومن العوامل التي ساهمت في تكوين هذه الثقافة المتجانسة لدى الشعب الياباني، التعليم الموحد باللغة اليابانية الوطنية، والعيش المشترك لهذا العدد الكبير من السكان (127 مليون نسمة) على مساحة صغيرة محدودة من الأرض (377,944كم2) معظمها أراضي جبلية (67%)، تحت إدارة حكومات مركزية همهاالتخطيط في كل أمور الدولة والشعب مهما صغرت أو كبرت، فاكتسب الشعب سلوكيات التفكير ومهاراتهمع مراعاة اهتمامات المجموعة والدولة والصالح العام أكثر من مراعاة مصالح الفرد.
إن لتعدد نظم التعليم بشكل عام في البلد الواحد إيجابياته بما يتيح فرصًا تعليميةً مختلفةً لمن يرغب من الناس في تحقيق التميز والإبداع، لكن في المقابل من أبرز سلبياته حدوث تنافر وتمايز اجتماعي بحيث يؤدي ذلك إلى حدوث هوة بينخريج المدرسة أو الكليةالحكومية وبين قرينه خريج المؤسسات التعليمية الأجنبية وكأن المرء يتحدث مع أشخاص مختلفين كليًا لا يوجد بينهم تجانس أبدًا،أي كأنك تتحدث مع مواطن من جنسية أخرى.
لذا لابد من احتواء نظم التعليم، سواء التعليم العام أو الخاصأو الأجنبي داخل منظومة التعليم الوطنيةتحت مظلة وإشراف وزارة التعليم من خلال فكر متسق يوفر المساواة في التعليم وحد أدنى من أساس معرفي واحد لمختلف فئات الشعب بغض النظر عن المكان أو الغنى والفقر؛ لتنمية ثقافة وطنية مشتركة وتجانس فكري بين مختلف شرائح المجتمع، وانصهار للوجدان والهوية المجتمعية، ومن ثم ولاء أقوى للدولة.
فالمنتج النهائي المرجو من العمليةالتعليمية ليس مجرد اكتساب مهارات تمكن الفرد من الدخول الي سوق العمل فقط، بل اكتساب مجموعة من الأفكار والمعارف والسلوكيات والمهارات التي تسهم في الارتقاء بالحياة، وتكوين شخصية المواطن لا الفرد التي تتمتع بوجود العناصر الأساسية لثقافة المجتمع، وتجانسه ووحدة نسيجه الاجتماعي، وقيمه المشتركة التي تنظم الحياة المشتركة بين أفراد المجتمع وتساعد في رقيه والنهوض به.
* رئيس قسم اللغة اليابانية - كلية اللغات والترجمة جامعة الملك سعود






